تتسابق المملكة العربية السعودية مع اقتصادات العالم لبناء صناعة عقارية وطنية حديثة، تكون رافدًا مهمًا من روافد الاقتصاد غير النفطي، وركيزة من ركائز رؤية 2030. وفي قلب هذه الصناعة، يبرز نشاط المزادات العقارية بوصفه أحد أهم آليات التبادل العقاري وتربط البائع بالمشتري في بيئة منظمة وشفافة.
لكن السؤال الذي لا يطرحه كثيرون هو: ما الذي يجعل المزاد العقاري عادلًا ومستقرًا ومنتجًا اقتصاديًا؟ الإجابة المختصرة: التقييم العقاري السليم هو حجر الأساس الذي يُبنى عليه كل ما يأتي بعده.
في هذه المقالة، أستعرض مفهوم المزاد العقاري، ثم أتوقف عند نقطة فنية حاسمة كثيرًا ما يُغفل عنها وهي أساس القيمة في مزادات البيع القسري، قبل أن أستعرض المشهد المؤسسي للمزادات في المملكة — اعتمادًا على ما ورد في حقيبة المتدرب للمزادات العقارية الصادرة عن المعهد العقاري السعودي (الذراع الأكاديمية لـالهيئة العامة للعقار) للعام 1445هـ / 2023م، وعلى معايير التقييم الدولية (IVS) المعتمدة لدى الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين.
أولًا: ما هو المزاد العقاري؟
عرّفت اللائحة التنظيمية للمزادات العقارية المزادَ العقاري بأنه:
المزايدة العلنية على عقار من أجل بيعه، أو بيع منفعته، أو تأجيره، للوصول بثمنه إلى أعلى قدر ممكن، ويشمل ذلك المزادات الإلكترونية.
هذا التعريف يحمل في طياته فكرتين جوهريتين:
الأولى أن الغاية من المزاد ليست مجرد البيع، بل الوصول بالثمن إلى أعلى قدر، أي اكتشاف القيمة الحقيقية للعقار في السوق. والثانية أن المزاد أداةٌ تشمل الوسائل التقليدية والرقمية، وهو ما يفتح الباب أمام تطوير منصات رقمية قادرة على الوصول لشريحة أوسع من المزايدين.
ثانيًا: أساس القيمة في مزادات البيع القسري — نقطة فنية يغفل عنها كثيرون
من أخطر نقاط الالتباس في سوق المزادات العقارية، الخلط بين القيمة السوقية والسعر المتحقّق في البيع القسري. هذه نقطة دقيقة جدًا، ومعايير التقييم الدولية (IVS) المعتمدة لدى الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين تحسمها بوضوح تام.
البيع القسري: أساسٌ للقيمة
وفق معايير التقييم الدولية، البيع القسري ليس أساسًا للقيمة على الإطلاق، بل هو وصف للموقف الذي تتم فيه المبادلة. الفرق جوهري:
- القيمة السوقية تفترض بائعًا راغبًا ومشتريًا راغبًا، ومعاملة على أساس محايد، بعد تسويق مناسب يُتيح عرض الأصل بأفضل طريقة ممكنة للوصول إلى أفضل سعر معقول.
- البيع القسري يُستخدم غالبًا في الظروف التي يكون فيها البائع تحت الإجبار للقيام بالبيع، ونتيجة لذلك تصبح فترة التسويق غير كافية، وقد لا يستطيع المشترون إجراء الفحص النافي للجهالة.
لماذا لا يساوي سعر البيع القسري القيمة السوقية؟
السبب منطقي ومباشر: السعر الذي يقبل به البائع في عملية البيع القسري يعكس ظروفه الخاصة أكثر من ظروف بائع راغب افتراضي وفقًا لما ورد في تعريف القيمة السوقية. وليس للسعر الذي يمكن الحصول عليه بموجب البيع القسري سوى علاقة عارضة مع القيمة السوقية أو أي من أسس القيمة الأخرى.
بعبارة أوضح: حين يضطر البائع (أو مأمور التنفيذ نيابةً عن المدين) لبيع العقار في فترة قصيرة، تحت ضغط الوفاء بدين أو تنفيذ حكم قضائي، فإن الفرصة التسويقية تنضغط، ويخرج الأصل للسوق قبل أن يصل إلى شريحته الطبيعية من المشترين. هذا يعني أن السعر المتحقّق في هذه الظروف سيكون — في الغالب — أقل من القيمة السوقية للعقار في ظروف بيع طبيعية.
ما الذي يجب على المقيّم فعله عند التقييم لأغراض البيع القسري؟
إذا طُلب من المقيّم تقدير السعر المتوقّع في ظروف بيع قسري، فإن المعايير تُلزمه بـ:
- تحديد أسباب القيود المفروضة على البائع بوضوح تام في التقرير.
- بيان التبعات المترتبة على عدم البيع في الفترة المحددة (كاستمرار الدين، أو العقوبات القضائية).
- وضع افتراضات مناسبة تعكس ضغط الوقت والظرف الاستثنائي.
- الإفصاح الصريح بأن القيمة الناتجة ليست قيمةً سوقية، بل سعر متوقّع تحت ظرف استثنائي.
الأثر العملي على ممارسي المزادات
هذا التمييز له انعكاسات عملية على كل طرف في المزاد:
- للمقيّم المعتمد: عليه أن يكون واضحًا في تقريره بشأن أساس القيمة الذي يعمل به. هل هو تقدير للقيمة السوقية؟ أم تقدير للسعر المتوقّع في البيع القسري؟ الخلط بينهما في تقرير واحد خطأ مهني جسيم.
- لمأمور التنفيذ والجهة القضائية: فهم هذا الفرق يعني أن سعر الافتتاح في مزاد البيع القضائي قد يكون مبنيًا على قيمة تقديرية تأخذ في الاعتبار ضغط الوقت، لا على القيمة السوقية المطلقة للعقار.
- للمزايد والمستثمر: مزاد البيع القسري قد يمثّل فرصة استثمارية — ليس لأن المقيّم أخطأ، بل لأن الظرف نفسه (ضغط التسويق) يولّد سعرًا أقل من القيمة السوقية. وهذا بالضبط ما يجعل هذه المزادات جاذبة للمستثمرين المطّلعين. لكن في المقابل، على المزايد أن يدرك أنه يشتري تحت ظرف استثنائي، وأن إعادة بيع العقار لاحقًا بالقيمة السوقية قد تستغرق وقتًا وجهدًا.
- للمدين (البائع الجبري): فهم هذه النقطة يحمي حقوقه؛ لأن اعتراضه على تقييم منخفض قد يقوم على حجة أن التسويق لم يكن كافيًا، وأن الفرصة لم تُعط للعقار لبلوغ قيمته السوقية الطبيعية.
خلاصة القسم: المزاد العقاري الجبري أداةٌ مشروعة ومهمة، لكن السعر المتحقّق فيه لا يُحتجّ به كقيمة سوقية للعقار في سياقات أخرى (كالتمويل، أو توزيع التركات، أو البيع الاختياري). وهنا تكمن أهمية المقيّم المعتمد الذي يعرف متى يعمل بأساس القيمة السوقية، ومتى يعمل بفرضية البيع القسري، ومتى يُفصح عن كلٍ منهما في تقريره.
ثالثًا: المشهد المؤسسي للمزادات في المملكة
حتى يكتمل فهم المنظومة، لا بد من استحضار الجهات والمنصات التي تُشكّل البنية التحتية للمزادات العقارية في المملكة، لأن كلًا منها يعمل في موقع مختلف من السلسلة:
على المستوى التنظيمي، تتولى الهيئة العامة للعقار (REGA) تنظيم النشاط العقاري غير الحكومي والإشراف عليه، بما فيه نشاط المزادات العقارية ومنح رخصة فال للمنشآت الممارِسة. وتنظّم الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين (تقييم) مهنة التقييم ذاتها وتعتمد المقيّمين وتطبّق المعايير الدولية.
على المستوى الأكاديمي، يقوم المعهد العقاري السعودي (SREI) بتأهيل العاملين في المزادات العقارية ومنحهم شهادات احترافية (وهو مصدر هذه المقالة).
على المستوى القضائي-التنفيذي، يُشرف مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) على مزادات البيع الجبري للعقارات المُسندة من الجهات القضائية، ويعتمد منصات المزادات الإلكترونية التي تعمل تحت مظلته.
على المستوى التشغيلي، توجد منصات المزادات الإلكترونية المرخّصة — المعتمدة من الهيئة العامة للعقار ومن مركز إنفاذ — التي تُقام عليها المزايدات فعليًا. من أبرزها:
- منصة مباشر للمزادات — من المنصات المعتمدة والأوسع انتشارًا في المزادات العقارية الإلكترونية.
- منصة إنفاذ للمزادات — الواجهة الرسمية لمزادات البيع القضائي.
- منصة سومتك (Soum.tech) — منصة وطنية للمزادات تشمل العقارات وغيرها.
- منصة المزاد الإلكتروني (eMazad) — لإدارة وتصفية العقارات والممتلكات إلكترونيًا.
ومجموع هذه المنصات يعكس تحوّل السوق السعودي نحو المزادات الإلكترونية التي تختصر المسافات، وترفع نسبة المشاركة، وتوثّق الإجراءات بشكل يصعب تحقيقه في المزادات الحضورية التقليدية وحدها.
رابعًا: خلاصة للممارسين في السوق السعودي
ما يمكن استنتاجه من هذه القراءة يُمكن تلخيصه في النقاط الآتية:
التقييم العقاري ليس وثيقة شكلية تُرفق بملف المزاد، بل هو الوثيقة التأسيسية التي تُبنى عليها الحدود النظامية للمزاد كله — من سعر الافتتاح، إلى قيمة الضمان، إلى الحد الأدنى للترسية.
المزاد المبني على تقييم ضعيف أو متسرّع هو مزاد معيب في أساسه، حتى لو جرت إجراءاته التنفيذية بسلاسة. والعكس صحيح: المزاد المستند إلى تقييم مهني رصين، من مقيّم معتمد (أو ثلاثة في الحالات القضائية)، يحقّق الوظيفة الاقتصادية التي من أجلها وُجد المزاد: الوصول بثمن العقار إلى قيمته السوقية الحقيقية في بيئة منافسة شفافة.
كما أن التمييز الفني بين القيمة السوقية وفرضية البيع القسري ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو الفاصل بين تقرير تقييم مهني يحمي جميع الأطراف، وتقرير مضلِّل قد يضرّ بالمدين أو يوقع المزايد في قرار غير مبنيّ على فهم سليم لأساس القيمة.
وفي ظل التوسع المتوقع للمزادات العقارية في المملكة — حضوريًا وإلكترونيًا — فإن الحاجة لمقيّمين معتمدين مؤهلين تكنيكيًا وأخلاقيًا ستزداد، ليس لأنهم “شرط نظامي” فحسب، بل لأنهم الحلقة التي تضمن ثقة السوق في هذه الأداة الاقتصادية المهمة.
المصادر والروابط
المصدر الرئيسي
- المعهد العقاري السعودي، المزادات العقارية – حقيبة المتدرب، 1445هـ / 2023م.
المصدر الفني لمفهوم “أساس القيمة في البيع القسري”
- معايير التقييم الدولية (IVS) — فرضية القيمة: البيع القسري، المعتمدة من الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين.
الجهات التنظيمية والأكاديمية
- الهيئة العامة للعقار (REGA) — الجهة التنظيمية المركزية للقطاع العقاري بالمملكة.
- الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين (تقييم) — الجهة المنظّمة لمهنة التقييم في المملكة.
- المعهد العقاري السعودي (SREI) — الذراع الأكاديمية للهيئة العامة للعقار لتأهيل الممارسين.
- مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) — الجهة الحكومية المشرفة على تصفية الأصول وبيعها بالمزاد.
منصات المزادات الإلكترونية المرخّصة
- مباشر للمزادات
- منصة مزادات إنفاذ
- سومتك (Soum.tech)
- المزاد الإلكتروني (eMazad)



اترك تعليقاً